كشفت ملامح المشهد الاستثماري في قطاع السيارات الآسيوي عن دراسة شركة «هوندا» (Honda) اليابانية لقرار التصفية الكاملة لعملياتها والخروج النهائي من سوق كوريا الجنوبية، وذلك بعد سنوات من المعاناة التشغيلية والتراجع الحاد وغير المسبوق في معدلات تسليم سياراتها، وسط منافسة شرسة وعوامل جيوسياسية وتجارية معقدة.
أرقام المبيعات الصادمة وراء القرار:
شهدت الحصيلة البيعية للمصنع الياباني في كوريا الجنوبية تدهوراً مستمراً دفع بالإدارة العليا لإعادة النظر في جدوى الاستمرار بالاستثمار هناك:
- تراجع حاد في عام 2025: لم تنجح هوندا خلال العام الماضي بالكامل سوى في تسليم 1,154 سيارة فقط في السوق الكوري الجنوبي بأكمله، وهو رقم ضئيل جداً لا يغطي النفقات التشغيلية لشبكة الموزعين ومراكز الصيانة.
- مقارنة بالفترات الذهبية: يعكس هذا الرقم انهياراً قياسياً مقارنة بعام 2019، عندما كانت هوندا تسجل مبيعات تتجاوز 8,760 سيارة سنوياً، وتنافس بقوة كواحدة من أبرز العلامات التجارية المستوردة في البلاد.
أسباب التراجع والانهيار الاستراتيجي:
تتضافر عدة عوامل رئيسية صاغت هذا المشهد المعقد لهوندا داخل كوريا الجنوبية، أبرزها:
- الخلافات السياسية والجرائم التاريخية: تأثرت العلامة كغيرها من الشركات اليابانية بموجات المقاطعة الشعبية المتقطعة التي يشنها المستهلكون الكوريون بسبب التوترات السياسية والتاريخية الممتدة بين البلدين.
- هيمنة وتوحش الماركات المحلية: تواجه هوندا صعوبة بالغة في اختراق السوق أمام السيطرة المطلقة والولاء العالي لمجموعتي «هيونداي» (Hyundai) و«كيا» (Kia)، اللتين تقدمان طرازات متطورة تكنولوجياً بأسعار تنافسية للغاية تفوق ما تقدمه هوندا.
- غياب التنافسية في الفئات الفاخرة: بالمقارنة مع السيارات الألمانية المستوردة مثل (BMW ومرسيدس) التي تشهد طلباً مرتفعاً في فئات الرفاهية بكوريا، تقع هوندا في فئة سعرية وسيطة لم تنجح في استقطاب العميل الكوري الباحث عن الفخامة أو العملية الاقتصادية البحتة.
مستقبل شبكة التوزيع وخدمات ما بعد البيع:
في حال الاستقرار النهائي على قرار الانسحاب، تشير الخطط المبدئية إلى أن هوندا لن تغادر بشكل مفاجئ، بل ستتبع استراتيجية خروج تدريجية (Phase-out Strategy):
- التزامات الصيانة وقطع الغيار: ستلتزم الشركة بتوفير خدمات ما بعد البيع، الدعم الفني، وقطع الغيار للعملاء الحاليين لفترة قانونية ممتدة قد تصل إلى 8 سنوات وفقاً للوائح حماية المستهلك الكورية.
- تحول التركيز إلى أسواق النمو: تخطط المجموعة اليابانية لإعادة توجيه الموارد والنفقات الرأسمالية التي سيتم توفيرها من كوريا الجنوبية نحو أسواق واعدة وأكثر ربحية في منطقة جنوب شرق آسيا (مثل إندونيسيا وتايلاند)، بالإضافة إلى دعم خطط التحول الكهربائي لطرازاتها في أمريكا الشمالية.
